أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / قصة هروب صحفي

قصة هروب صحفي

قصة هروب صحفي

هادي جلو مرعي

يقول الزميل حسين الخزعلي الذي كان يعمل مراسلا لقناة فضائية عراقية للمرصد العراقي للحريات الصحفية، بعد تعرضي لأكثر من محاولة إغتيال في العراق بسبب عملي صحفيا ومراسلا ميدانيا لأحدى القنوات الفضائية فكرت وبحثت ملياً عن أرض أهاجر إليها وأعيش فيها بأمان تجنبا للخطر المحدق بنا نحن الصحفيين من قبل جماعات تمتهن تهديد الصحفيين ممن يكشفون الفساد  المستشري، فكان قرار “الهجرة الى أوروبا” حيث وبحسب وصفه(الأمن والآمان والشعور بالإنسانية وحرية التعبير والتعايش الإنساني)

جلست أبحث في كيفية الوصول الى أوربا فوجدت طريقا محاطا بالمخاطر، وقد تصل الى الموت، وكنت في حيرة من أمري، كيف أهرب من الموت لأواجه موتاً أخر؟ حملت حقيبتي على كتفي وأنطلقت من السماوة الى كربلاء، ومنها الى مطاربغداد، ثم إسطنبول تاركاً خلفي ذكرياتي ووطنا جريحا…. وصلت الى إسطنبول وفوجئت بوجوه تشبه وجهي ومعاناة تشبه معاناتي وجراح تشبه جراحي…. ..أنطلقت من إسطنبول الى ساحة أقسراي حيث سماسرة الهجرة وتجارها لإيصالنا الى أوربا بقوارب بحرية ما لبث البحر الأبيض المتوسط أن أبتلع الكثيرين منا نتيجة رداءتها…وتهالكها وبدأت رحلة الموت، أو المصير المجهول من مدينة جنوبي تركيا وبعد وصولنا النقطة التي منها يتم تهريبنا وقعنا في كمين  للجوندرمة أخذوا ينهالون علينا بالضرب، بعد ذلك فر المهرب الذي كان معنا.. بقينا في الغابة حوالي عشر ساعات، ثم بدأنا أنا وإثنان من أبناء مدينتي بالسير حتى صادفتنا امرأة طاعنة في السن وأخذتنا الى بيتها، وبقينا هناك  لخمسة عشر يوماً وكنا نحاول أن نخرج مع أحد المهربين لكن يبدو إن جميع المهربين هناك لا مصداقية لهم.

 ويضيف الخزعلي، إتصل بي أصدقائي وأسرتي من مدينة السماوة وقالوا لي، أترك المكان الذي أنت فيه وأرجع الى إسطنبول، وكان هناك أشخاص يعرفهم صديقي هم من كان مؤملا أن يخرجونا من تركيا الى أوربا فحملت حقيبتي ومن معي وذهبنا فجراً الى إسطنبول .. كان في إنتظاري أصدقاء إصطحبوني الى السكن الذي يتواجدون فيه، وبعد ساعة أتى الشخص الذي كان مؤملا أن يهربنا من تركيا.. في البدء كنت غير مطمئن لهذا الشخص لعدم قناعتي بكلامة. حملت حقيبتي من جديد وإتصلت بشخص وعدني أن يخرجني من تركيا حيث جاءني شخص بلغاري الجنسية ومعه مترجم عربي وقالا لي، عليك أن تسير خلفنا حتى تشاهدنا نستقل مركبة ثم تركب معنا، وبالفعل فقد صعدنا المركبة وكانت نوع كيا باص صغيرة وفوجئت إن في السيارة أكثر من ستين شخصا من مختلف الجنسيات وسارت بنا  وسط بكاء الأطفال وعويل الأمهات وإختناق البعض لعدم وجود منافذ للهواء. إستوقفتنا إحدى مفارز الشرطة التركية قبل وصولنا النقطة حيث فتح أحد أفراد المفرزة باب السيارة وأخذ يضرب البعض وينقل آخرون الى سيارات الحجز.تمكنت انا ورفيقاي من الهرب وركضنا مسرعين، ووجدنا منطقة سكنية فرمينا الحقائب التي كانت معنا وبدأنا نتصرف كسياح، بعدها اتصلت بأحد الأصدقاء، وقلت له، إنني سوف أذهب معكم في الرحلة وأنا غير مطمئن للشخص المهرب الذي يعرفه صديقي. لكن لا حل .. رجعت الى سكن أصدقائي، وفي اليوم التالي سألت المهرب، متى رحلتنا؟ قال بكرى نكون في النقطة لكنني بقيت في تركيا ثلاثين يوماً بسبب الوعود الكاذبة للشخص المهرب، وبعد أن تنقلنا في تركيا من الجنوب الى الشمال ومن الغرب الى الشرق، أتاني إتصال من المهرب وقال، اليوم تغادرون في تمام الساعة الرابعة فجراً. وبالفعل وصلنا النقطة وكنا ننتظر ذلك اليخت الكبير ذي الثلاث طوابق بحسب كلام المهرب والذي ظهر مجرد قارب متهرئ اخذ طريقه في البحر المتلاطم، بدأت أعصابي تنهار وكان من معي  يهدؤون بي حتى إن أحد الأصدقاء أراد أن يكشف مكان تواجدنا من أجل أن يبلغ عنا شرطة خفر السواحل وتكلمت مع صديقي وقلت له، سوف نذهب، وبدأنا ننقل الأطفال والنساء الى القارب الذي يحمل أناسا مختلفين في الأسماء والمذاهب ولكنهم متشابهون بمعاناتهم، فالقارب الذي لا يتجاوز طوله ثمانية أمتار يحمل الآهات والألم ويحمله بحر لا يرحم وموج أقسى من الجلادين في الشرق العربي، كانت كل موجة تضرب القارب ترسم صورا لوالدتي ولعائلتي في السماء ولكن الصورة تظهرهم  مبتسمين.

يومان في البحر كنا متعبين، وكان من المفروض أن نصل إيطاليا. وفي اليوم الثالث صعد أحد رفقائي الى قبطان القارب الروماني وسأله، متى نصل الى إيطاليا؟ قال، سنصل بعد خمسة أيام! أبلغنا رفيقنا بما سمعه من القبطان حينها نظرنا الى بعض وكان الطعام والماء لا يكفيان وحينها قررنا أن يرجعنا الى تركيا بعد رحلة إستمرت يومين، وصعدنا الى القبطان وأجبرناه على الرجوع وبدأنا بالصراخ من أجل تبليغ خفر السواحل، القبطان ومن أجل الحفاظ على سلامته إتفق معنا أن يتركنا على جزيرة قريبة من اليونان. وصلنا الجزيرة ونزلنا جميعاً من القارب، كان البرد قارسا، والطعام لا يكفينا، فقررنا إصطياد الأرانب لكي نطعم الصغار والأسر وإصطدنا حيوانات وأرانب جبلية. بقينا في الجزيرة يوما ونصف بعد أن إتصلت بخفر السواحل الذين وجدوا صعوبة في تحديد موقعنا بسبب تواجدنا بين جبلين تحيط بهما مياه البحر، وكانت الصدفة بوجود احد الصيادين، وطلبنا منه أن يبلغ خفر السواحل عن مكاننا، بعد ساعات وصلت فرق الإنقاذ وساروا بنا الى أول جزيرة يونانية تمثل بداية القارة الأوربية، ولم نكن نعلم إنها بداية أخرى بمصير مجهول و معاناة سنعيشها.. رحلة جزيرة كاليموس التابعة لليونان رحلة البداية بعد أن وقفت على أرض البداية نظرت في الأفق الواسع وتساءلت، هل سأستطيع الوصول، هل سأنجح في هذا الأختبار وأرسم البسمة على وجه والدتي التي تأمل وصولي لأصنع مستقبلا مختلفا بدلاً من البقاء في الجحيم…. بدأت خطوتي الأولى وأنا أعرف إن طريقي أطول من الخارطة التي أحملها .. سأعبر أوربا سيراً على الأقدام كما فعلت الأقوام السابقة قبل الميلاد…. كاليموس حيث بيتي الذي أستريح فيه وأنام في الشارع ووسادتي هي الرصيف أستمع الى أصوات الناس وأرى نظراتهم التي تحمل إستغرابا، كيف لهؤلاء أن يناموا لأيام في الشارع؟ قررت ومن معي الأستمرار في السير بإتجاه مقدونيا بعد وصولنا الى أثينا وبالتحديد منطقة أمونيا وتوجهنا الى الحدود اليونانية المقدونية، كانت مقدونيا تبعد خمسة كيلومترات، وكنا نسير حاملين طعامنا وشرابنا نتشاركه مع بعض ولم يتبق ما يكفي في جيوبنا وحقائبنا.

 كم كانت هذه الرحلة صعبة .. خمسة كيلومترات تذكرت فيها عائلتي وجه أبي الحبيب وبالخصوص عندما أرى رجالا بعمر أبي يسيرون تحت زخات المطر النازل من السماء والتضاريس الوعرة ليبحثوا عن الحياة….  كان يؤسفني مشاهدة الأطفال يتعبون من السير فيحملهم آباؤهم و بعدها أمهاتهم و بعد الإرهاق كان الغرباء يحملونهم… نعم نحن نحمل المستقبل لأننا فقدناه فعسى أن يكون هؤلاء الأطفال هم المستقبل الجديد و الواعد…. في العادة وخلال المسيرات الطويلة للبحث عن الأمن يحاول اللاجئون أن يرفعوا معنوياتهم وآمالهم، وكانت الأخبار سيئة للاجئين.. كانت تأتي لتحبطنا.. كانت النساء يبكين، والرجال يفقدون العزيمة رويدا.. لماذا الرحيل و الحدود تغلق وحق اللجوء يضيق؟… حتى إن بعض الأخبار كانت تشير الى إن تجار الأعضاء البشرية يرحبون باللاجئين! ولا أعرف لماذا هذا العذاب؟ هل ستكون هذه الرحلة للمجهول؟ عبرنا مقدونيا وصربيا ووصلنا الى المرحلة الأصعب وهي “كرواتيا” التي كان يجب أن أضع بصماتي هناك لكي أستطيع العبور، ولكن إذا تم أخذ بصماتي فهذا يعني إنني لن أستطيع اللجوء الى دول شمال أوربا بحسب إتفاقية دبلن هذا يعني إنني سأقف في كرواتيا.. هل إنتهت رحلتي؟ هل توقفت؟ كان هدفي الإستمرار الى مكان آخر، حيث هناك من يساعدني ولهذا وضعت صورة والدتي و قلت في نفسي، من أجلكم سأفعل أي شيء، فأما الموت، أو الحياة، لن أجعل عائلتي تعيش ما عشته، سأصنع لهم مستقبلا رائعا، سأنطلق دون البصمات حتى لو كان ذلك مستحيلاً. قررنا السير في الغابات الكثيفة و الطرق الوعرة التي لم يدخلها أنسان للهروب من الشرطة وحرس الحدود.. خوف وبكاء ورعب كانت كلها علامات في عيون النساء والأطفال لأنهم واجهوا أسوأ كوابيسهم خاصة بوجود الأفاعي و العقارب في ظلام الغابات. ظهرت شمس الأمل، خرجنا دون أن نخسر، دون أن تنتهي رحلتنا الى الحياة، الى الأمن، خرجنا من كرواتيا، وهنا ولأول مرة في رحلة الحياة و الموت أصل النمسا، وبعدها ألمانيا، ومن ثم الدانيمارك والسويد.. ولقاؤنا بمجموعة من الخيرين من أهل السماوة الذين رحبوا بنا ترحيبهم بالجنود العائدين من الحرب، كم كانت مشاعر رائعة.. في النهاية قررت البقاء في السويد،إنطلقت وأنا أضحك كثيرا، كم هي غريبة هذه الحياة.

عن adminw

شاهد أيضاً

_26848_4

حريق في مجلس النواب العراقي

حريق في مجلس النواب العراقي هادي جلو مرعي لم يعد ممكنا التعامل مع البرلمان العراقي ...